الغزالي

123

إحياء علوم الدين

والزاهد أولا يذيب كيسه ، ثم يذيب نفسه في الطاعات ، لا في الصبر على ما فارقه . والمتزهد على خطر ، فإنه ربما تغلبه نفسه . وتجذبه شهوته ، فيعود إلى الدنيا وإلى الاستراحة بها في قليل أو كثير الدرجة الثانية : الذي يترك الدنيا طوعا لاستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه . كالذي يترك درهما لأجل درهمين . فإنه لا يشق عليه ذلك وإن كان يحتاج إلى انتظار قليل . ولكن هذا الزاهد يرى لا محالة زهده ، ويلتفت إليه ، كما يرى البائع المبيع ويلتفت إليه . فيكاد يكون معجبا بنفسه وبزهده ، ويظن في نفسه أنه ترك شيئا له قدر لما هو أعظم قدر امنه ، وهذا أيضا نقصان الدرجة الثالثة : وهي العليا ، أن يزهد طوعا ، ويزهد في زهده ، فلا يرى زهده ، إذ لا يرى أنه ترك شيئا ، إذا عرف أن الدنيا لا شيء ، فيكون كمن ترك خزفة وأخذ جوهرة فلا يرى ذلك معاوضة ، ولا يرى نفسه تاركا شيئا . والدنيا بالإضافة إلى الله تعالى ونعيم الآخرة أخس من خزفة بالإضافة إلى جوهرة . فهذا هو الكمال في الزهد . وسببه كمال المعرفة . ومثل هذا الزاهد آمن من خطر الالتفات إلى الدنيا ، كما أن تارك الخزفة بالجوهرة آمن من طلب الإقالة في البيع . قال أبو يزيد رحمه الله تعالى لأبي موسى عبد الرحيم . في أي شيء تتكلم ! قال في الزهد . قال في أي شيء ! قال في الدنيا . فنفض يده وقال . ظننت أنه يتكلم في شيء ، الدنيا لا شيء ، أيش يزهد فيها ومثل من ترك الدنيا للآخرة عند أهل المعرفة وأرباب القلوب المعمورة بالمشاهدات والمكاشفات مثل من منعه من باب الملك كلب على بابه ، فألقى إليه لقمة من خبز ، فشغله بنفسه ، ودخل الباب ونال القرب عند الملك ، حتى نفذ أمره في جميع مملكته . أفترى أنه يرى لنفسه يدا عند الملك بلقمة خبز ألقاها إلى كلبه ، في مقابلة ما قد ناله ؟ فالشيطان كلب على باب الله تعالى يمنع الناس من الدخول ، مع أن الباب مفتوح ، والحجاب مرفوع والدنيا كلقمة خبز ، إن أكلت فلذتها في حال المضغ ، وتنقضي على القرب بالابتلاع ، ثم يبقى ثفلها في المعدة ، ثم تنتهي إلى النتن والقذر ، ثم يحتاج بعد ذلك إلى إخراج ذلك الثفل . فمن تركها لينال عز الملك كيف يلتفت إليها ! ونسبة الدنيا كلها ، أعنى ما يسلم لكل شخص منها وإن عمر مائة سنة ، بالإضافة إلى نعيم الآخرة ، أفل من لقمة بالإضافة إلى ملك الدنيا . إذ لا نسبة للمتناهى إلى ما لا نهاية له .